كانت زيارتي الأخيرة للمدينة المنوّرة مختلفة عن كل الزيارات السابقة.
فكل من يزور المدينة يشعر بسموّ روحانيتها، لكن ما أودّ الحديث عنه هذه المرة هو مشواري الصباحي في اليوم الأخير.
استيقظت باكرًا كعادتي في السفر، وبعد تناول وجبة الإفطار قررت أن أمشي من فندقي الملاصق للمسجد النبوي إلى مسجد قباء، مرورًا بجادة قباء.
منذ لحظة خروجي من الفندق ومروري بالساحة المجاورة للمسجد النبوي، غمرني شعور جميل يصعب وصفه. كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحًا، والشمس تتلاعب خلف سُحب خفيفة كأنها لا تريد سوى أن تمنح هذا الصباح ضوءًا ناعمًا ودفئًا رقيقًا. نسمة هواء عليلة حرّكت أوراق الخريف المتساقطة، فأحيت فيها روح الصفاء.
كان الأطفال يركضون خلف الحمام المنتشر في الساحات، وأفواج الزوار من شتى أنحاء العالم يسيرون مبتسمين، يستمتعون بالأجواء الخريفية الممزوجة بروحانيات المكان.
كلما اقتربت من ممشى جادة قباء خفّ الزحام، وضاق الطريق. كانت معظم المحال لا تزال مغلقة، وبعضها بدأ لتوه يفتح أبوابه. أحدهم يرش الماء أمام محله، وآخر يكنس أوراق الخريف المتناثرة، جميعهم يمضون في يومهم بتوكلٍ وطمأنينة، مؤمنين برزق المولى سبحانه، فالق الحب والنوى.
كنت أستمتع بالمشي بين تلك المحال، وأتجول أحيانًا في الأزقة الجانبية الضيقة، ألتقط صورًا لأبوابٍ قديمة تحكي قصصًا لم تُروَ، ولرسومات وكتابات على الجدران كانت وسيلة تعبير لمن نقشها ذات يوم على هذه الجدران العتيقة.
كان الممشى مظلَّلًا بالأشجار والمباني المتقاربة. اختلطت خطوات الزوار بخطى أهل المدينة حتى صرت بالكاد أميّز بينهم، بل أصبحت جزءًا من هذا المشهد الجميل.
ما كان يميزني ربما هو انتباهي للتفاصيل الصغيرة، وتوقفي عندها لأتأملها وأوثّقها بعدستي. فسكّان المنطقة اعتادوا عليها حتى لم يعودوا يلحظونها، والزوار يمرّون مسرعين نحو مسجد قباء دون أن يلتفتوا إليها.
أما أنا، فكنت أعيش عالمي الخاص — أستمع إلى هديل الحمام وحفيف الأوراق المتساقطة، كأنهما يرويان قصة حبٍ جميلة من زمنٍ مضى.
ومع اقترابي من المسجد بدأ الطريق يتّسع من جديد، وظهرت أفواج الزوار، بعضهم يسير على قدميه، وآخرون يترجّلون من الحافلات الكبيرة، يتقدّمون بخطى هادئة مطمئنة نحو مدخل المسجد، وكلٌّ يحمل في قلبه دعاءً وسكينةً لا تُوصف.
وما أن وصلت إلى ساحة مسجد قباء، شعرت بروحانية المكان، جموع تتحرك بنشاط وبانتظام، المسجد يكتظ بالمصلين مع أن الوقت ليس وقت صلاة الفروض.
قضيت وقتا روحانيا مليء بالهدوء والسكينة، وعندما خرجت من مسجد قباء إلى المسجد النبوي، قررت أن أخذ الطريق الموازي لجادة قباء. طريق يقل فيه الزائرين، وبالكاد لاترى فيه غير أهل المنطقة من سكان وأصحاب محال.
كانت تجربة رائعة، جعلتني اكتشف الحياة البسيطة في المدينة. وكعادتي، كنت ألحظ التفاصيل الصغيرة التي تشكل ذاكرتي عن هذا المكان، هذه التفاصيل التي تبقى في الذاكرة وتحمل عبق الذكريات بعد مرور السنين.
















